وهبة الزحيلي

285

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

غير جوار أحد ، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد قالها . وتحققت الثالثة في عهد الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى . و أخرج الإمام أحمد عن أبي بن كعب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « بشّر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة نصيب » . ثم بيّن حال هذه الأمة أثناء تمكنها في الأرض أو علة تمكينها في الأرض فقال : يَعْبُدُونَنِي « 1 » لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً أي إن هذه الأمة تعبد اللّه وحده لا شريك له ، ولا يتغيرون من عبادة اللّه تعالى إلى الشرك ، ووعدهم اللّه ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم . روى الإمام أحمد والشيخان عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : « حق اللّه على العباد : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على اللّه ألا يعذبهم » . وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي ومن ارتد أو كفر النعمة ، كقوله تعالى : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [ النحل 16 / 112 ] ، أو خرج عن طاعة ربه وأمره ، فأولئك هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة ، وتناسوا فضل اللّه عليهم ، وهذا ربما يصدر من بعض الأمة بدليل حديث الصحيحين وغيرهما من الأئمة : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة » .

--> ( 1 ) يعبدونني كما تقدم : هو في موضع الحال ، أي في حال عبادتهم اللّه بالإخلاص ، ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم .